ابن عجيبة

60

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله ، تتميما لتعليم عباده : فإذا أثنيتم على ومجدتمونى وعظمتمونى فأقروا لي بالربوبية ، وأظهروا من أنفسكم العبودية ، واطلبوا منى العون في كل وقت وقولوا : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، وكأنه - جل جلاله - لمّا ذكر أنه مستحق للمحامد كلها قديمها وحديثها ؛ لأنه رب العوالم وقيومها ، أصل الأصول وفروعها ، أنعم عليها أولا بالإيجاد ، وثانيا بتوالي الإمداد ، فهو مالكها على الإطلاق ، ذكر أنه لا يستحق أن يعبد سواه ؛ إذ لا منعم على الحقيقة إلا اللّه ، فهو أحقّ أن يعبد ، وأولى أن يفرد بالوجهة والقصد ، لأنه مستبد وغير مستمدّ ، والمادة من عين الجود ، فإذا انقطعت المادة انعدم الوجود . قال البيضاوي : ثم إنه لما ذكر الحقيق بالحمد ، ووصف بصفات عظام تميّز بها عن سائر الذوات ، تعلّق العلم بمعلوم معين ، خوطب بذلك ، أي : يا من هذا شأنه نخصّك بالعبادة والاستعانة ، ليكون أدل على الاختصاص ، وللترقى من الغيبة إلى الشهود ، وكأن المعلوم صار عيانا ، والمعقول مشاهدا ، والغيبة حضورا . بنى أول الكلام على ما هو مبادئ حال العارف ؛ من الذكر والفكر والتأمل في أسمائه ، والنظر في آلائه ، والاستدلال بصنائعه على عظيم شأنه وباهر سلطانه ، ثم قفى بما هو منتهى أمره ، وهو أن يخوض لجة الوصول ، ويصير من أهل المشاهدة ، فيراه عيانا ويناجيه شفاها . اللهم اجعلنا من الواصلين إلى العين دون التابعين للأثر . ومن عادة العرب التفنن في الكلام والعدول عن أسلوب إلى آخر ، تطرية وتنشيطا للسامع ، فتعدل من الخطاب إلى الغيبة ، ومن الغيبة إلى التكلم ، كقوله : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ . . . ولم يقل ( بكم ) وقوله أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ . . . أي : ولم يقل : فساقه . . انظر تمام كلامه . والالتفات هنا في قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ ولم يقل : إياه نعبد ؛ لأن الظاهر من قبل الغيبة ، وحسنه أن الموصوف تعيّن وصار حاضرا . قال الأقليشى : فهذه الآية هي التي قال فيها النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « فإذا قال العبد : إياك نعبد وإياك نستعين ، يقول اللّه تعالى : هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل » . معناه : أي عبد توجّه إلى بالعبادة وسألني العون عليها فعبادته متقبلة ، والعون منى له عليها حاصل حتى يوقعها على وجهها ، فالعبادة وصف العبد ، والعون من اللّه تعالى للعبد ، فلهذا قال : « فهذه بيني وبين عبدي » . قال ابن جزي : أي نطلب العون منك على العبادة وعلى جميع أمورنا ، وفي هذا دليل على بطلان قول القدرية والجبرية ، وأنّ الحق بين ذلك .